محمد حسين علي الصغير
158
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
ج - وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 1 » . نقف على حدود مجاز لغوي مرسل على الوجه الآتي : ففي الآية ( أ ) أطلق الاعتداء على الجزاء ، وواضح أن الاعتداء الثاني في الآية غير الاعتداء الأول ، لأن الاعتداء الأول جرم ، والثاني جزاء ، وفرق بين الجرم والجزاء ، فلا يراد به الاعتداء حقيقة بالمعنى الأول ، بل المراد المجازاة فقط ، إذ لا يأمر اللّه بالاعتداء قطعا ، وإنما سمي كذلك لأنه مسبب عن الاعتداء الحقيقي ، فكان التعبير عنه بالاعتداء مجازا لأنه حصل بسبب الاعتداء وإن كان جزاء في واقعه . قال القزويني ( ت : 739 ه ) « وإنما سمي جزاء الاعتداء اعتداء لأنه مسبب عن الاعتداء » « 2 » . في الآية ( ب ) عبّر سبحانه عن الاقتصاص بلفظ السيئة ، والسيئة الثانية في الآية غير السيئة الأولى ، لأن السيئة الأولى ذنب والسيئة الثانية مقاصة ، وفرق بين الذنب والاقتصاص ، إذن فليس الاقتصاص سيئة ، ولكنه مسبب عنها ، فسمي باسمها ، وهذا المعنى هو المعني بقولهم : تسمية المسبب باسم السبب ، وذلك بأن يطلق لفظ السبب ويراد به المسبب كما في الآية ( ج ) إذ أطلق تجوزا اسم البلاء على العرفان ، وليس البلاء عرفانا ، ولكنه مسبب عنه ، فكأنه تعالى قد أراد : ونعرف أخباركم ، لأن البلاء الاختبار ، وفي الاختبار حصول العرفان ، فعبر رأسا عن العرفان بالبلاء كما هو ظاهر في الاستعمال عند العرب ، فإنهم يقولون : رعينا الغيث ، والغيث هو المطر ، والمطر لا يرعى ، ومرادهم النبات والأعشاب لأنه سببهما الغيث . ويحمل على هذا قول عمرو بن كلثوم في معلقته « 3 » . ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
--> ( 1 ) محمد : 31 . ( 2 ) القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة : 400 تحقيق الخفاجي . ( 3 ) ظ : الزوزني ، شرح المعلقات السبع : 178 .